محمد بن أحمد التميمي المقدسي

138

مادة البقاء في إصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء

فإنه إذا جاور المريض تضاعفت عليه البلية لجمعه الأمرين جميعا - أعني تنسمه الهواء الفاسد العفن ومجاورته فيه للمريض - وذلك لأجل أن الهواء يحتمل رائحة ذلك الفساد الذي يظهر من جسد العليل وينفصل عنه بالتنفس ، فيؤديه إلى الصحيح المجارو له بالتنسم ، وحمل الهواء للفساد من نفس العليل وإيصاله إياه إلى الصحيح المجاور إنما هو بكثرة نفس العليل ، فإذا استنشق ذلك النفس الفاسد المنفصل من نفس العليل من يجاور العليل من الأصحاء الذين يأوون معه ويقربون منه ، فسدت أمزجة أبدانهم وغلبت العفونة عليهم فأمرضتهم فشاركوا العليل في علته ، لا سيما إذا صادفت تلك المادة / الرديئة البدن في أول كرّة يدنو من العليل ، وبطبيعته منكرة لها ، رسخت في أعضائه الشريفة التي هي مواطن الحياة ومساكنها وقوام البدن ، أعني القلب والدماغ فإنهما سبب حياة الإنسان ، وذلك أن الهواء الفاسد إذا تنسمه الإنسان ، فأول عضو يحسّ بفساده القلب فيأخذ منه بالحظ المضاعف من الفساد ، ويشركه في ذلك الدماغ لاشتراكهما في القوى الحيوانية والنفسانية » . قال محمد بن أحمد : والدليل على صحة ذلك أنّا نرى المنزل الذي فيه الجماعة ممن لم يحصب أو يجدر قطّ ، إذا حدث بواحد منهم إحدى هاتين العلتين ، لم تلبث تلك الجماعة إلا اليسير حتى تنالهم تلك العلة بعينها ، إما واحدا بعد واحد وإما لوقت واحد ، وليس السبب في ذلك غير تنسمهم ذلك الهواء الممازج لنفس الوصب ، وقد نجد كثيرا من العلل تعدي من دنا من العليل أو باشره أو واكله أو شاربه أو شرب من إنائه الذي يشرب فيه أو ضاجعه في